
السؤال:
السلام عليكم
هل يمكن التوسل، وطلب الحوائج من النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، وهم أموات؟

المجيب: موقع العلامة السيد كمال الحيدري

الجواب: إن قاعدة وجود الأشياء بنظام الوسائط تسري في حركة الوجود قال تعالى: >وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ<، وهذه الوسيلة ليست مختصّة ببعض دون بعض، بل هي مطلقة.
وعند الرجوع إلى الروايات فهي الأُخرى تؤكّد هذه القاعدة الكلّية، ففي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً، وجعل لكلّ سبب شرحاً، وجعل لكلّ شرح علماً» >الكافي، ج1، ص183، حديث 7<.
ثم إن هناك فرقاً بين التوسّل الممدوح المأمور به كما في قوله تعالى: >ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ < (المائدة: 35) وبين التوسّل والتقرّب المذموم المنهي عنه كما في قوله: > ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونا إلَى اللهِ زُلْفى < (الزمر: 3) حيث إن الأول - لأجل أن المدعوّ عبد من عباد الله المكرمين وأنه ذو مقام معنويّ استحقّ به منزلة النبوة أو الإمامة ولأنه وُعد المتوسّلون به بقبول أدعيتهم، وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا الله عن طريقه، كما ورد في حقّ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله: > وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً < (النساء: 64) - بخلاف الثاني فإنهم كانوا يتوسّلون إلى الله ويتقرّبون بالملائكة الكرام والجن والأولياء من الإنس فيتركون عبادته تعالى ولا يرجونه ولا يخافونه، وإنما يعبدون الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون سخطه، ثم يتوسّلون إلى هؤلاء الأرباب والآلهة بالأصنام والتماثيل فيتركونهم ويعبدون الأصنام ويتقرّبون إليهم بالقرابين والذبائح. وبالجملة فهم لا يعبدون إلا الوسيلة مستقلّة بذلك ويرجونها ويخافونها مستقلّة بذلك من دون الله فيشركون بإعطاء الاستقلال لها في الربوبيّة والعبادة.
ومن هنا يتضح أن الفرق بين الوسيلة والغاية، فإنّ الوسيلة المُبتغاة قد أُمرنا بها، لكونها محبوبة لله تعالى ومُقرِّبة إليه، فهي وسيلة عبادية مُوصلة إلى الله تعالى. وأما الغاية فهو الله تعالى وحده لا شريك له، وما الوسيلة المأمور بها إلاّ طريقٌ موصل إلى تلك الغاية المقصودة، لأنّ الله تعالى يُعبَد من حيث يُريد لا من حيث نُريد.
فالشرك أن تدعوا وتتوسل مع اعتقادك بأن المدعو يقضي لك حاجتك من دون الله، وأما إذا كان اعتقادك أن كل ما يقوم به المدعو هو بإذن الله، فهذا ليس من الشرك، بل هو عين التوحيد, لأن التوحيد هو أن تؤمن بأن الله (سبحانه وتعالى) إنما يدبر هذا العالم على أساس الأسباب والمسببات والوسائط، والقرآن مليء بهذه الآيات.
ثم بعد ثبوت أصل التوسل وشرعيته، يأتي هذا التساؤل: كيف يمكن التوسل بإنسان ميت؟
وللإجابة على هذا التساؤل لابد من معرفة المراد من الموت، فهناك نظريتان في تفسير الموت:
النظرية الأولى: تعتقد بأن الإنسان بالموت يكون ببعديه المادي والمجرد ـ البدن والروح ـ عدماً وفناء، ويفقد كل آثار الإدراك والشعور والحياة. والمعاد عند أصحاب هذه النظرية هو إعادة المعدوم.
النظرية الثانية: تعتقد أن الموت هو مفارقة الروح للبدن، وانتقال من نشأة إلى أخرى، فالإنسان ببعده المادي يفقد آثار الحياة من الإدراك والشعور، ولا يفقدها ببعده المجرد والروحي، بل تنتقل هذه الروح من نشأة الدنيا إلى نشأة أخرى، فيكون المعاد عندهم ليس إعادة المعدوم، وإنما إعادة ارتباط الروح بالبدن.
ودليل النظرية الثانية هو قوله تعالى: >تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ< (الملك: من الآية 2,1)، ومن الواضح أن الموت إذا كان أمراً عدمياً، فكيف يتعلق به الخلق حتى يوجد؟ فالخلق يتعلق بأمر وجودي، ولا يتعلق بأمر عدمي.
وكذلك الآيات الكثيرة التي عبرت عن الموت بالتوفي، ومعنى التوفي هو قبض الشيء بتمامه وكماله، فإذا كان الموت أمراً عدمياً فلا معنى لأن يقبض؛ لأن العدم ليس بشيء حتى يقبض. وهذه الآيات كثيرة جداً منها:
قوله تعالى في سورة النحل: >الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ< (النحل: من الآية28)، إذن الآية الاولى تقول تتوفاهم، الآية الثانية: >الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ< (النحل: من الآية32) ، >اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا< (الزمر: من الآية42) أو قوله تعالى: >وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ< (الأنعام:61)، أو قوله: >حتى إذا جائتهم رسلنا يتوفونهم<، أو قوله: >أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ< (يونس: من الآية104)، أو قوله: >بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ< (السجدة: من الآية10)، >قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ< (السجدة: من الآية11).
إلى هنا اتضح أن الموت ليس أمراً عدمياً، وإنما هو انتقال من دار إلى دار، والطلب إنما هو من موجود وليس من العدم، قال تعالى: >وابتغوا إليه الوسيلة<.
ولعل من أهم مصاديق ابتغاء الوسيلة في القرآن الكريم هو التوسل بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام، قال تعالى: > وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً<،
فالتوسل بالنبي والأئمة الأطهار لا يختص بحياتهم فقط، بل يشمل ما بعد موتهم أيضاً؛ لكونهم أحياء عند ربهم يرزقون.